Excerpt for كبير العيلة (الجزء الاول من سلسلة عشق الجنوبي) لـ منى لطفي by , available in its entirety at Smashwords

This page may contain adult content. If you are under age 18, or you arrived by accident, please do not read further.

1/2016/04 بقلم منى لطفي رواية كبير العيلة



رواية/كبير العيلة

الجزء الأول من سلسلة "عشق الجنوبي"

بقلمي/ د. منى لطفي

الملخص الداخلي:

عادات وتقاليد أي مجتمع كثيرا بل غالبا ما تتحكم بالأفراد اللذين ينتمون إليه, مهما تباينت ظروف معيشتهم أو مستوى ثقافتهم وتعليمهم, فالعادات الراسخة تتوارثها الأجيال جيلا بعد آخر, فما بالنا إن كان هذا المجتمع ..... مجتمع يتمسك وبشدة بعاداته الموروثة, بل من يخالفها يعتبر من المنبوذين, فيلفظه دون أدنى شفقة أو رحمة, مهما بلغت مكانته لديه!!..

أحب رؤوف زميلته ألفت وتوجا هذا الحب النقي الطاهر بالزواج ولكن.... كان لا بد لرؤوف من دفع ثمن هذه الزيجة ألا وهو.... الطرد من عائلته وبلاااا رجعة!!

ولكن... يُضطّر رؤوف الى العودة إلى بلدته برفقة زوجته وابنتيْه, ترى ماذا تخبأ لهم الأيام؟, وهل ستكون بناته هما ثمن رجوعه الى كنف عائلته من جديد؟...

صراع بين الماضي والحاضر مليء بالحقد والكراهية, الغيرة والعشق الملتهب!, فهل سينتصر الحب في النهاية على عادات وتقاليد عفا عليها الزمان وشرب؟!..

**************************************************







كبير العيلة – 1 – بقلمي/احكي ياشهرزاد(منى لطفي)

ركنت سيارتها الرياضية الصغيرة بجوار المبنى الذي تقطن فيه مع عائلتها, ألقت السلام على حارس العقار بطريقتها المرحة المحببة ثم اتجهت لتركب المصعد لتصل الى شقتها حيث تسكن مع ابيها وامها وشقيقتها الوحيدة, فتحت الباب ودخلت وهى تلقي بالتحية بمرح هاتفة:

- السلام عليكم يا أهل الدار, أنا جيييييت..

لم تسمع أي إجابة فقطبت ودمدمت بصوت منخفض:

- إيه دا, أومال فين آل الخولي؟..

تلفتت حولها ولم تشاهد والدتها, نظرت جيدا في الردهة الواسعة والتي تحوي على طقم صالون مدهب وفي أحد الأركان سفرة مدهبة مكونة من مائدة زجاجية بيضاوية الشكل ذات 6 كراسي و بوفيه ذو مرايا كبيرة ودولاب لحفظ الصيني والاكواب الكريستال, صعدت الدرجات التي تفصل بين الردهة وغرف المنزل الداخلية والتي هي عبارة عن غرفة للجلوس بها طقم للجلوس مكون من أريكة عريضة كبيرة وأخرى اصغر قليلا ومقعدين كبيرين وطاولة زجاجية وجهاز التلفاز ذو الشاشة العريضة الحديثة ( ال . سي . دي ) وجهاز استقبال لجميع القنوات الفضائية..

سارت قليلا ثم عرجت الى يمينها حيث المطبخ الواسع والذي يتناولون فيه وجباتهم لما فيه من حميمية ودفيء فرأت والدتها وهي تقلب الطعام فوق موقد النار فقفزت اليها قائلة وهي تقبل رأسها بحب :

- ازيك يا لولو!, ايه دا ... انا هنا بئالي نص ساعه يا شيخه وعماله انادي انادي ولا هنا حد! ...

ثم غمزت بمكر وتابعت ضاحكة:

- اومال فين قيس بن الملوح يا ليلى ؟

ضربتها امها خفيفا على يدها الموضوعة على كتفها وقالت بتأنيب :

- عيب يا بنت, انتي مش صغيرة على كدا, وبعدين هكون فين يعني؟, في المطبخ بجهز الغدا يا هانم على ما انتي والست سلمى اختك تشرفوا, وبابا جوا في اودة المكتب... فهمتي يا سُلافة هانم يا لميضة؟!

ابتعدت سُلافة قليلا عن والدتها وقالت بنصف عين :

- مامتي.. لو سمحتي انتي عارفة كويس اني مش بحب حد ينادي لي سلافة!, حد يسمي بنته في القرن الـ21 سلافة؟ نهرتها امها قائلة:

- انتي عارفة اسمك دا معنى ايه؟, انتي خسارة فيكي الإسم تصدقي!, سلافة دا يا هانم معناه عصارة او خلاصة الشيء الصافي النقي الخام اللي لسه ما انضافش له حاجة, على طبيعته.. فهمت يا.... سلافة؟

مالت على أمها مقبلة كتفها وقالت بمداهنة محاولة إرضائها:

- خلاص يا ام سلمى ماتزعليش.. بس يعني سلمى مبلوعة شوية انما سلافة...أهي دي اللي انا مش بالعاها خالص!, علشان كدا قلت لكم ولاصحابي تقولولي سولي!!

قطبت امها وأجابت بإستهزاء :

- أهي سولي دي اللي أنا مش بالعاها ولا يمكن أبلعها خالص!, ايه سولي دا... كلب؟

غضبت سلافة وقالت حانقة:

- ايه يا ماما دا... كلب ايه؟, دا اسم الدلع بتاعي.. سولي!, على فكرة بقه انتو هنا اللي بتتريقوا عليه لكن كل اصحابي بيقولولي انه اسم حلو وشيك أووي...

قالت امها وهى تهز برأسها يمينا ويسارا :

- ربنا يهديكي يا حبيبتي, بس ياريت بلاش السيرة دي قودام باباكي.. مش كل مرة تفتحي لنا الكلام دا وتخلِّيه يتضايق انت عارفة انه هو اللي ...

قاطعتها بتنهيدة عميقة:

- عارفة, هو اللي مختار لي اسمي, وانكم اتفقتوا.. حضرتك اخترتِي اسم سلمى يبقى هو يختار اسم التاني, وجيت انا من قرعتي سلافة!

قالت الأم وهي تحاول كتم ابتسامة كادت ان تظهر فتتصدع الجدية المرسومة على ملامحها :

- طيب خلاص بطلي رغي وروحي غيّري هدومك وتعالي علشان تحضري الغدا معايا, سلمى أختك عندها نبطشية انهارده, مش هتخلص الا بعد 8 ان شاءالله. كلمتني من المستشفى وقالت لى..

أجابت سلافة وهى تمد يدها لتتناول واحدا من محشي ورق العنب والذي تبرع به والدتها :

- هي اللي جابته لنفسها, حد قالها تدخل طب؟, لا وايه.. تتخصص جراحة باطنه كمان ... واحدة عندها 28 سنة وخلصت الكلية والماجستير وبتحضر الدكتوراه, واحدة فاضية من الآخر, وربنا مالها كمبيوتر ساينس؟, أنا أهو... درست كمبيوتر ساينس 5 سنين في الأي . يو . سي .. وخلاص, دراسة لذيذة وشغلها جميل وأديني بشتغل في شركة أجنبية ومرتبي كبير وساعات العمل محددة من 9 الصبح لـ 5 مساءا ويومين اجازة .. مش هيَّ كل شوية نبطشية وشغل وهدَّة حيل, دا غير العيادة الشعبية اللي بتروحها يومين في الاسبوع, ماينفعش كدا.. دي مش حاسة بشبابها خالص, انا اعرف هتتجوز مين؟, اكيد أبو بكر الرازي!!

علقت امها وهي تدفعها خارج المطبخ :

- ما تتعبيش نفسك اختك دكتورة شاطرة وجميلة ولسه صغيرة وألف مين يتمناها, المهم انتي بطلي رغي, واتفضلي روحى غيّري وتعالي اعملي السلاطة على ما اروح اشوف باباكي ...

خرجت سلافة متجهة الى غرفتها بينما اتجهت ألفت الى غرفة مكتب زوجها ورفيق عمرها ( رؤوف ), دخلت بعد أن طرقت الباب فسمعت صوته داعيا للدخول, لتجده جالسا الى مكتبه واضعا نظارته الطبية فوق أنفه ويطالع بعض الاوراق بيده, ابتسمت بحنان وسارت متجهة اليه فإنتبه لقدومها ليبتسم بحنان مقابل بينما أحاطت كتفه بذراعها ومالت عليه هامسة بحنان :

- ايه يا حبيبي مش جعان؟, الغدا خلص ..

أمسك يدها مقبلا اياها قبل ان يقول :

- تسلم ايديكي يا أم البنات ...انت بتتعبي اووي يا حبيبتي.. قلت لك اجيب لك واحده تريحك وتساعدك في شغل البيت ما سمعتيش كلامي..

أجابته وهى تميل برأسها لتنظر اليه :

- حبيبي انا احلى وقت بقضيه و وانا بعملكم كل طلباتكم في البيت .. انت ناسي اني سِبت شغلي مخصوص علشان أتفرغ لك انت والبنات؟, وبعدين يا سيدي.. ما أم سعيد بتجيني مرتين في الاسبوع تنضف الشقة وتروقها كفاية أووي....

قال رؤوف مبتسما :

- ربنا ما يحرمنا منك ابدا يا حبيبتي .. عارفة كل يوم حبي ليكي بيزيد وبتأكد اني كنت هخسر اغلى حاجه في عمري لو ما كنتش اتجوزتك ! ,

نظرت اليه وقد شاب صوتها بعض الحزن كلما صادف ان طرأ على بالها هذا الأمر أو تحدثا بشأنه:

- يعني انت مش ندمان يا رؤوف انى السبب ان اهلك زعلوا منك وقاطعوك؟

هز برأسه نافيا بقوة وهو يهتف مجيبا:

- ابدا.. وانا متأكد انهم من لو عرفوكي هيحبوكي ويحترموكي, بس هي عوايد بأه اتربوا عليها..

سألته مستفهمة :

- انت لسه عند قرارك؟

هز برأسه مؤكدا وهو يقول :

- اكيد ... وهبلغ البنات بقراري دا انهارده ان شاء الله, لأنهم لازم يعملوا حسابهم وكل واحدة ترتب أمورها وتاخد أجازة من شغلها علشان احنا مش هنقعد يوم ولا اتنين بس.. لأ, انا رايح المرة دي علشان لازم بناتي يتعرفوا على اهلهم .. انا مش دايم لهم يا ألفت ... واهلهم همّا دول عزوتهم اللي هيتقووا بيهم ويبقوا ضهرهم وسندهم من بعدي...

قبلت ألفت رأسه وقالت وهى تربت على كتفه:

- ربنا يخليك لينا يا حبيبي وما يحرمناش منك أبدا, عموما براحتك حبيبي وانا معاك في أي قرار تاخده .. انا هروح أجهز السفرة على ما إنت تخلص اللي في ايدك وتحصلني علشان نتغدى, عن اذنك..

وانصرفت تاركة زوجها وقد غامت عيناه ببريق الذكريات وهو يقول في نفسه :

- آن أوان الطير المهاجر يرجع لعشّه !! ....

==================

- صباح الخير يا جدي..

ومال مقبّلاً يد جده فقالت سيدة مسنة بلهجة صعيدية:

- وجدتك مالهاشي نفس يا وِلد ولدي؟

ابتسم الشاب ثم اتجه إليها ومد يده متناولا يدها المغضنة ومال عليها مقبلا إياها وهو يجيب:

- هو انا أجدر يا جدتي ...انت الخير والبركة..

اشار له الجد بالجلوس لتناول طعام الافطار وقال :

- أجعد يا غيث يا ولدي .. جدتك فاطنة شكلها إكده رايجة على الصبح...

قالت الجدة بابتسامة:

- وايه اللي مش هيروج بالي يا حاج؟, الحمد لله ولادي بخير وصحة وولادهم ماليين علينا الدار, يبجى ايه اللي يضايجني بعد الشر؟

أجاب الجد ناظرا إليها بتركيز بينما طغى على صوته نبرة الحزن :

- كل ولادك يا فاطنة؟

قالت الجدة وقد شحب وجهها وغابت إبتسامتها:

- الله يسامحك يا حاج ..هو انا كنت بنسى عشان تفكِّرني؟, حدا ينسى ضناه؟

قال غيث بإبتسامة صغيرة محاولا تصفية الاجواء :

- خلاص يا جماعه صلوا على النبي أومال مش إكده,,

ثم التفتت الى جده متابعا:

- عوض البرهامي عاوز يشيل المحصول السنة دي كُمان, ايه رايك يا جدي ؟ ,

قال الجد الذي لا يزال هو صاحب الكلمة الاولى والاخيرة والمتصرف في جميع شؤون عائلة الخولي من صغيرها لكبيرها:

- أني شايف اننا بنتعامل معاه بجالنا كتير, وهو راجل جد كلمته وبيدفع اللي عليه في وجته مش بيمطوح فينا, خلاص.. كلمه يا غيث يا ولدي وجوله ع البركة...

تفاجئوا بمن يسحب كرسيا للجلوس عليه وهو يقول :

- صباح الخير عليكم جميعا...

هز الجد برأسه غير راض عن سلوك حفيده الآخر بينما قالت جدته بحب :

- صباح الفل والياسمين ...

قال الجد منتقدا :

- صباح الخير يا شهاب بيه.. تجدر سعادتك إتجوللي كنت فين البارحة؟, انا نمت وانت لساتك كنت ما عاودت؟

أجاب شهاب وهو ينظر الى الجد بهدوء:

- انا مش عيل صغير يا جدي !

تدخل غيث زاجرا اياه بعنف :

- شهاب!, لما جدك يسألك سؤال تجاوبه كويس !

نظر اليه شهاب ببرود وأجاب:

- وهو انا عملت ايه يا اخويا الكبير؟, جدى قلقان عليا وانا بقوله انه ما يقلقش .. عموما هريحكم.. كنت مع عزت.. نزلنا البلد وسهرنا مع بعض شوية وجيت.. اطمنت يا جدي ؟

موجها سؤاله الى الجد الذي انتفض في مكانه وهتف بسخط زاغرا اياه:

- عزت وِلد عبدالمجيد أبو سويلم؟

أومأ شهاب برأسه إيجابا وقد بدأ قناع البرود بالتصدع وبدأت عصبيته المشهور بها بالظهور :

- ايوة يا جدي عزت ابوسويلم !

قال الجد منتقدا :

- وما لاجيتش غير الواد التلفان ديه تمشي معاه ؟

أجاب شهاب بعد أن زفر بعمق محاولا الهدوء:

- اولا يا جدي عزت مش واد.. دا مهندس زراعي ودفعتي, تاني حاجه... هو مش تلفان ولا حاجه بالعكس.. ابوه وعيلته كلها بيتشرفوا بيه...

سخر الجد مشيحا برأسه:

- آه ... ديه دلوقيت, لكن في الوّلْ كانوا مش طايجينه ولا طايجين سيرته, لولا وعكة أبوه اللي خالته يرجع تاني عشان يجف جنب أهله وناسه ولا كان خطاها برجليه تاني ..

علق شهاب مهاجما :

- وكل دا ليه يا جدي ها ؟, علشان ابوه كان مرتب له جوازة هو مرضيش بيها ؟, مرضيش يسوقوه زي الدبيحة ؟, وعمل ايه يعني؟, اتجوز واحدة كويسة من عيلة وبنت ناس واصل طيّب, ورضيت تعيش معاه هنا في كفر الخولي مع اهله .... يبقى ايه الغلط اللي عمله ؟, انه استخدم حقه اللي ربنا اداهوله ؟ هتف غيث زاجرا شهاب:

- شهاب .. بيتهيألي تجفّل ع الموضوع ديه, وياللا عشان تروح المزرعه تشوف شغلك ..

تحدث الجد بصرامة مقاطعا غيث :

- استنى يا غيث لما أجول لاخوك حاجه غايبة عنِّييه ...

ثم أولى انتباهه لشهاب متابعا:

- إهنِه في البلد غير البندر, إهنه لينا عوايدنا وتجاليدنا ...لازمن نحافظ عليها ونراعيها ..احنا كلاتنا إهنه في البلد زي العيلة الواحده ماينفعشي واحد يمشي بدماغه ويفوت الباجيين !!, انت بتجول هو عمل ايه غلط ؟, انا اجولك .. صغَّر بأبوه وسط الناس بعد ما كان جال للناس انه رايد بتِّهم لولده... جيه ولده ورفض الجوازة ولبنية وصغر بيه بين الخلايج !, حاجة كبيرة ديه ولا لاه؟, الكلام كان كلام رجالة, مش كلام اعيال اصغيرين ولا كلام حريم!!

أجاب شهاب ناظرا الى جده بتركيز :

- قصدك زي عمي رؤوف كدا ؟

كان الصوت الذي نهره هذه المرة صوت جدته التى قالت بمنتهى البرود والقوة :

- شهاب .... ديه كلام كبار ماينفعشي الصغار يتكلموا فيه, خلص وكلك واتيسر على شغلك ... واحمد ربك ان ابوك ماحاضرش الكلام اللي بتجوله ديه ولا كان إداك حجك صوح..

ثم التفتت الى غيث متابعة راغبة في تغيير الحديث:

-بوك وامك ماجالوش هييجوا ميتى من العمرة ؟

فهم غيث رغبتها بتغيير سير الحديث فأجاب بهدوء وهو يسترق النظر الى شهاب الذي سادت الحمرة وجهه غضبا وغيظا :

- ان شاء الله انهارده آخر النهار هروح اجابلهم في المطار... قالت الجدة بابتسامة :

- ياجوا بالسلامة يارب ..

ثم أولت زوجها اهتمامها وقالت :

- حاج عبد الحميد اعملك جهوة ولا حاجة تشربها ؟..

نظر اليها عبد الحميد مجيبا بهدوء نسبي :

- ايوة يا فاطنه ياريت فنجان جهوة من يدك, بلاش البت صباح بتعملها ماسخة مالهاش طعم .

ابتسمت وقالت وهى تنهض واقفة:

- من عينيا يا حاج. انت تؤمر.

وغادرت المائدة متجهة لصنع القهوة بينما مهض شهاب مستئذنا بالانصراف وهو يقول :

- وانا عن اذنكم هروح المزرعه ...

اشار له الجد بالذهاب فقال غيث ما ان اختفى أخاه عن الانظار:

- معلهش يا جدي, انت خابر شهاب بيحب عزت جد ايه, وهو تجريبا صاحبه الوحيد..

تنهد الجد وأجاب:

- عارف يا ولدي, وديه اللي جالجني عليه... اللي يشوفه ما يصدجش انه بينكم وبين بعض 5 دجايج بس !!, معجوول انتو تووم !, انت اكبر منيه بكتير يا ولدي بعجلك ورجاحة مخك لكن هو ربنا يهديه يارب ..لاه وكله كوم وعصبيته الشديدة ديه كوم تاني, مش بتخلي عنديه فرصة انه يفهم ولا يجدر الكلام اللي بيتجالو, على طول بيهب كيف وابور الجاز الخربان اكده! ابتسم غيث وقال :

- معلهش يا جدي ..انت خابر انه طبعه عصبي بس جلبه طيب وبيروج بسرعه, وبعدين انت اللي صممت انى ادرس تجارة علشان امسك حسابات المزرعة ومصنع اللحوم, وانه يدرس زراعة علشان يمسك المزرعة, شكله إكده من كتر عشرته للبهايم مابجاش بيفهم زين وبجى بينطح زييهم!

ضحك الجد وقال لغيث وهو يهم بالوقوف, فوقف غيث سريعا لمساعدته على السير مستندا على عصاه العاجية :

- تصدج يا غيث يا ولدي.. انت اللي بتخليني اعرف ارووج كيف.. يا ما نفسي افرح بيك انت واخوك في ليلة واحده جبل ما اموت...

سار معه غيث حتى وصلا الى الشرفة التى تطل على الحديقة الواسعه المحيطة بالمنزل ثم جلسا فوق الكراسي الخيزران, وما إن ارتاح جده في جلسته حتى قال غيث:

- طولة العمر ليك يا جدي ان شاء الله ... ما تستعجلش يا جدي كل شيء في أوانه حلو...

قال الجد بلهجة غامضة :

- فعلا يا ولدي كل شيج في اوانه حلو ...وعامة هانت .. فات الكتير ما بجى غير الجليل !!

قطب غيث مستغربا عبارة جده ولكنه لم يتوقف عندها كثيرا وبدلا من التعليق عليها قال مستئذنا بالإنصراف:

- معلهش يا حاج هستأذنك انا علشان أتاخرت يدوب ألحج أروح الديوان أشوف الحسابات وإكده.. في أمان الله يا جدي.. اجابه الجد قائلا :

- في أمان الله يا ولدي في امان الله

انصرف غيث بينما تنهد الجد بعمق وقال بخفوت :

- ايييه يا رؤوف يا ولديْ .... اتوحشتك جوي .. ما توحشتناش انت كُمان ؟, أكتر من تلاتين سنة من يوم ما فارجتنا, سافرت برات مصر ورجعت تاني وأدالك عشر سنين في مصر, من يوم ما تركت البلد وانت رجلك ما طابتش حدانا واصل .. كنت اشوفك سرجه في مصر انا وأمك وماحدش هنا في البلد يعرف اننا عارفين سكتك ... مش آن اوان الطير المهاجر انه يرجع إلـ عشّه يا ولدي ؟!!, ورفع رأسه للسماء ليشاهد صقرا محلقا فاردا جناحيه يطير مخترقا السماء بقوة وسرعه فقال الجد وهو يبتسم ابتسامة خفيفة :

- هتعود يا ولدي.. جلبي بيجوللي انك هتعود إلـ عشّك من تاني, ووجتها ماهاسيبكش تخرج منيه واصل!! .......

- يتبع -

كبير العيلة – 2 – بقلمي/ منى لطفي

طرقت ألفت باب حجرة ابنتيها قبل ان تدخل لتشاهد ابنتها الكبرى وهي جالسة الى مكتب صغير منزو في ركن بالغرفة تقوم بالعمل على حاسوبها الشخصي بينما ابنتها الصغرى ترقد فوق الفراش نائمة على بطنها تتلاعب بقدميها صعودا وهبوطا وهى تتصفح في مجلة من مجلات الازياء والموضة, دخلت وقالت لابنتيها اللتان لم تنتبها لطرقاتها :

- نحن هنا .. كل التخبيط دا وما اخدتوش بالكم ؟

اعتدلت سلافة من فورها في جلستها ورتبت منامتها القطنية المرسوم عليها احدى الشخصيات الكارتونية الشهيرة بينما التفتت سلمى القابعة امام حاسوبها الى امها وابتسمت ثم وقفت وسارت متقدمة منها وهي تقول بابتسامة ناعمه :

- اهلا.. اهلا بست الكل.. معلهش كنت مركزة مع عم جوجل والسيرشيز اللي بيطلعهالي!

قالت ألفت وهى ترفع حاجبها بدهاء ناظرة الى سلافة :

- طيب انتي علشان بتتابعي حاجات متعلقة برسالة الدكتوراة بتاعتك على النت, والست سلافة هي كمان مركزة علشان هتعمل دكتوراة في احدث صيحات الموضة ؟

صاحت سلافة معترضة :

- ماما ! انا كنت بقرا المجلة.. عادي يعني

أجابت امها إمعانا في غيظها وهى على يقين من ان سبب غضب ابنتها ليس سخريتها منها لشرودها بل لأنها نادتها باسمها سلافة بدون اسم التدليل الذي اختارته لنفسها :

- معلهش يا سلافة بس تقولي ايه؟, اصل مامتك مالهاش في موضة اليومين دول.

نهضت سلافة من فورها وقد اضطربت تعابير وجهها واتجهت الى والدتها حيث قبّلت كتفها وقالت بدلال لا يليق الا بها :

- مين قال كدا؟, حد يقدر يقول حاجه عليك انت يا جميل!, هو في فيه شياكتك وجمالك؟, وهو كان ايه اللي وقع قيس بن الملوح في دباديبك انت يا قمر؟

قالت امها موبخة اياها :

- انت هتفضلي لسانك طويل كدا لغاية امتى؟, انا مش قلت لك 100 مرة قبل كدا انت كبرت على الدلع دا؟

علقت سلمى بهدوء وابتسامة رقيقة تزين ملامحها :

- معهلش يا ماما سامحيها .. عيلة وغلطت!!

قالت سلافة بدلال وقد احاطت عنق أمها بذراعيها البضتين :

- مالكيش دعوه, انا الصغيرة آخر العنقود سكر معقود .. اتغاظي وفلفلي يا أبلة الناظرة انت !

زفرت ألفت في ضيق ثم نقلت نظراتها بينهما هما الاثنتين وقالت بهدوء :

- بطلوا دلع ومجادلة بينكم انتم الاتنين .. وياللا اتفضلوا قودامي بابا عاوزكم في موضوع مهم في الليفنج ( غرفة المعيشة )..

تقدمتهما الفت بينما تبدلتا النظرات المتسائلة فيما بينهما, فقد استشعرا حدة خفيفة تلوّن سلوك والدتهما ولكنهما اكتفيا برفع كتفيهما علامة عدم الفهم ولحقا بها حيث ينتظرهما والدهما....

- بصوا حبايبي انا عاوزكم في موضوع مهم ...انتو دلوقتي مابئيتوش صغيرين وفيه حاجات لازم تعرفوها!

قالت سلمى مقطبة بين حاجبيها بهدوء حائر:

- حاجات ؟ حاجات زي ايه يا بابا ؟

ابتسم والدها بحنان وأجاب:

- اصبري يا دكتورة... هتعرفي كل حاجه دلوقتي .

ثم تابع حديثه ناظرا لابنتيه الجالستين على المقعدين امامه بينما جلست زوجته بجواره وقال :

- انا عاوزكم تتعرفوا على أهلكم ..أهلي ... جدكم وجدتكم وعمكم وعمتكم وولادهم .. عاوزكم تتعرفوا على عيلتنا .. عيلة الخولي ..أكبر عيلة في كفر الخولي !

قالت سلافة مقطبة :

- كفر الخولي؟, عيلتنا؟, كانوا فين من زمان يا بابا ؟, اول مرة اسمع حضرتك تتكلم عنهم !

أجاب والدها ناظرة اليها بتأنيب:

- ما هو انتم لو تبطلوا تقاطعونى.. هتفهموا كل حاجه!

غطت سلافة فمها بيدها وقالت بخفوت :

- سوري بابايا .. اتفضل حضرتك كمل..

تنهد ثم تابع وقد شاب نبرته بعض التردد البسيط :

- انا عارف انه صعب عليكم دلوقتي انى اقولكم انه ليكم عيلة وزي ما قلتلكم عيلة كبيرة أكبر عيلة في كفر الخولي اللي اتسمى الكفر اساسا على اسم جدكم الخولي الكبير, انتم ليكم أهل وناس وعزوة, مش مقطوعين من شجرة بعد الشر ولا حاجة...

قالت سلمى بهدوء كعادتها:

- معلهش يا بابا بعد اذن حضرتك... كل دا كويس, بس ممكن نعرف هما كانوا فين السنين دي كلها؟, ليه ما كانوش بيزورونا ولا بنزورهم؟, ليه حضرتك ماجيبتش سيرتهم غير دلوقتي ؟

تنهد رؤوف عميقا وأجاب:

- بصوا حبايبي.. في ظروف حصلت خلت من الصعب انى اكون على تواصل معهم .. انا زمان ماحاكيتش حاجه لكم علشان كنتم صغيرين, لكن دلوقتي لازم تعرفوا كل حاجه.. خصوصا قبل ما نروح هناك والموضوع يتحكي لكم بطريقة تانية!!

أرهفت سلمى وسلافة آذانهما في حين تابع والدهما قائلا :

- احنا عندنا في الصعيد البنت بتكون لابن عمها وبتتقري فاتحتهم من وهي لسه في اللفة .. انا عارف انكم هتقولو ان دا كان زمان بس هقولكم العائلات الكبيرة بتكون أحرص الناس على التمسك بالعادات والتقاليد دي .... وانا واخويا الكبير عثمان طبعا كان معروف احنا هنرتبط بمين لما نكبر, ببنات عمى طه .. اخويا عثمان الكبير ياخد راوية بنته وانا اخد اختها زينب ... عثمان ما كملش تعليم ونزل الارض مع ابويا اللي ماسِّكه الشغل كله, انا كانت سكِّتي حاجه تانية .. اخدت الثانوية العامة ودخلت كلية الآداب قسم صحافة في مصر وماكنتش بسافر البلد الا في الاجازات .. وطبعا لما خلصت الكلية لاقيت ابويا بيفاتحني في موضوع ارتباطي بزينب بنت عمي .. انا في الوقت دا كنت طلعت من الاوائل على دفعتي واتعينت معيد في الجامعه واتعرفت على أمكم ألفت !!

حانت منه نظرة حنان الى ألفت زوجه الجالسة بجواره فيما ربتت ألفت على ذراع زوجها والذي تبادل معها نظرة تفيض بمشاعر الحب ثم أكمل قائلا :

- ألفت باباها كان أستاذي وهي كانت طالبة في سنة أولى لما اتعينت معيد في الجامعه ... شدتني ليها من اول يوم ... وسافرت البلد علشان افاتح ابويا انه يخطبها لي وطبعا اتفاجئت بحكاية بنت عمي وان ابويا كان مستني لما اخلص جامعة علشان يفرح بيا انا وعثمان اخويا في ليلة واحدة.. بس أنا رفضت وخيّرني يا اما اكون ابنه طوعه وما صغِّرش بيه مع عمي طه يا إما أنفذ اللي في دماغي وساعتها ابقى لا ابنه ولا يعرفه, وطبعا انا رفضت!, انا مش بنت يجوزوني زي ما هما عاوزين... واتجوزت أمكم وخلصت الماجستير والدكتوراه, وسافرت إعارة في الخليج وهناك جيتي انتي يا سلمى وبعد 4 سنين جات سلافة, ورجعنا مصر, لما سلمى خدت الثانوية العامة علشان تدخل الكلية هنا, وقتها حاسيت بشوق جامد أووي لأهلي وكلمتهم, أبويا اللي رد عليا وخد عنواني وجه زارني هو وأمي, وماقدرتش أقولكم كنتم ساعتها لسه صغيرين سلمى 18 سنة وانت يا سلافة 14 سنة, ما كانش حُكْمُكُمْ على عيلتي هيبقى صح, كنتو هتبقوا مندفعين ليا ولمامتكم, لكن انتم دلوقتي كبرتوا وتخرجتوا وبتشتغلوا وتقدروا توزنوا الأمور صح.

سكت قليلا ليتأكد من استيعابهم لكلامه ثم واصل:

- عموما نرجع لموضوعنا, انا ماقدرتش انزل البلد... اخويا عثمان مقاطعني من يومها.. بيقول لي انى صغّرت بأبويا, وعمي طه علاقته بأبويا بئيت وحشة بس اللي رضاه انه عرف ان ابويا طردني ...احنا رجعنا من 10 سنين ماشوفتش فيها ابويا إلا 3 مرات بس وسرقة, لكن انتم دلوقتي كبرتم ولكم حق على العيلة دي .... انتم لكم أهل لازم تتعرفوا عليهم, علشان كدا أنا عاوز كل واحده فيكم تقدم على أجازة من شغلها علشان أنا قررت إننا نسافر كفر الخولي في اقرب وقت..

علّقت سلمى بدهشة:

- أيوة يا بابا, بس حضرتك عارف طبيعة شغلي مش هقدر آخد اجازة طويلة... دا غير الرسالة بتاعتي..

قال والدها بهدوء:

- سلمى حبيبتي... السفرية دي ضروري نقوم بيها, وبعدين يا ستّي العربية موجودة.. وقت ما تحتاجي تنزلي مصر مافيش مشكلة ...

تدخلت سلافة في الحديث قائلة:

- بص يا بابايا.. انت عارف انى مقدرش ارفض لك طلب, من بكرة هقدم على أجازة, وأنا عموما عندي رصيد أجازات يسمح إنى آخد أجازة كويسة .

قال الأب مبتسما:

- يبقى كدا تمام .... رتبوا نفسكم في خلال يومين هنكون مسافرين ان شاءالله..

هتفت سلمى متسائلة:

- هتقول لجدي يا بابا؟

أظلمت عينا والدها بنظرة غموض وأجاب:

- أكيد لازم أقوله, جدكم هو اللي في إيده كل حاجه ..

ثم نهض قائلا : ها اقولكم تصبحوا على خير بأه ..

نهضت ألفت وقد ألقت بتحية المساء على ابنتيها وخرجت برفقة زوجها متجهان الى غرفتهما بينما تبادل كلا من سلمى وسلافة نظرات الاستفهام والتساؤل !!

=======================

- حمدلله ع السلامة يا عتمان يا ولدي.

قبل عثمان يد أبوه وأمه وقال وهو يجلس بجوارهما بينما قبلت راوية بدورها يد حماها وحماتها :

- الله يسلمك يا بووي ...اتوحشتكم جوي والرحلة كانت ناجصاكم والله انت وأمي.

قالت أمه ببشاشة:

- ان شاء الله المرة الجاية نكون صحبة عند النبي عليه الصلاة والسلام.

ثم التفتت الى راوية زوجة ولدها وتابعت بإبتسامتها الحنون: -

- كيفك يا أم غيث؟

أجابت راوية بابتسامة صغيرة :

- الحمدلله يا مرات عمي, الواحد ماكانِش عاوز يفوت الحرم واصل ويرجع, الود ودنا كنا نجعد إهناك على جد ما ربنا يجدرنا, لكن ماعينفعش, الحملة اللي طلعنا تبعها لها وجت مخصوص .

قال الحاج عبد الحميد بابتسامة :

- ان شاء الله تسافري في رمضان اللي جاي متل كل سنة.

قال غيث مستفهما :

- اومال وينه شهاب يا جدي ؟

زفر الجد بغيظ وضرب بعصاه العاجية الارض وأجاب بحنق ونظراته يعتليها الضيق:

- خووك خرج مع عزت ولد أبو سويلم زي كل ليلة.. وجال مش هيعوَّج... ساعة زمن وياجي وبجالو فوج عن ساعتين زمن !!

هتفت راوية بقلق:

- هو لساتو مصاحب ولد أبو سويلم ؟

فيما جحظت عينا عثمان غضبا وكتم انفعاله بصعوبة احتراما لجلوس والده وقال بغضب مكتوم:

- ولا يهمك يا حاج, ما تشيليش هم, أني لما أشوفه ليَّا معاه كلام كتير جووي, شهاب ماعادش إصغير, وماهواش جاعد إلحاله عشان يتصرف على مزاجه... لاه ... فيه حاجه اسمها الكبير.. والكبير كلمته لازمن تُحترم وتمشي على الكبير جبل الصغير..

دلف شهاب بمرح وهو يلقي السلام وقال بينما يتجه ليقبل يد والديْه وجديْه :

- ألف حمدلله ع السلامة يا حاج انت وامي..

قال ابوه بعد ان جلس بجواره شهاب وهو يتطلع الى ولده بجدية وصرامة:

- شهاب.. إوعاك تكون فاهم اكمنك درست وجعدت في البندر سنين دراستك انك خلاص... تجلع توبك وتلبس توب البنادر!, أنا كم مرة منبه عليك عزت ابوسويلم لع؟, لكن انت اللي في راسك لازمن تعمله .... راسك يابس كيف الصخر.. وأنا مش هعيد كلامي تاني يا شهاب .. وانت ما انتاشِ إصغير عشان أجولك تصاحب مين وتسيب مين .. عزت صاحبك ماجولناش حاجه.. بس مش لدرجة كل ليلة سهر إمعاه .. انت عارف اللي حُصل منِّيه كويس والحديت ديه مش عاوز أجوله تاني كنِّهُ جصِّة أبو زيد, صاحبك ديه خف عنِّيه شوية... مفهوم يا باشمهندز؟

أومأ شهاب برأسه الى أعلى وأسفل وأجاب وهو يكتم غضبه وغيظه بصعوبة :

- ماشي يا حاج, اللي تؤمر بيه... عن إذنكم وحمد لله على السلامة مرة تانية ...

ونهض مستئذنا في الانصراف مغادرا الى غرفته بينما قالت الجدة :

- معلهش يا عتمان يا ولدي, شهاب لساتو شاب وانت خابر طيش الشباب زين, بس أني متأكده انه مش هيعمل حاجه غلط واصل ,

قال عثمان زافرا بضيق :

- ان شاء الله يا ام عتمان ان شاء الله ...

قال الجد ناظرا الى عثمان بجدية :

- عتمان يا ولدي بعد ما اتغير خلجاتك وتريح اشويْ عاوزك تلافيني لداري, في موضوع إكده عاوز أجولك عليه...

نظر عثمان الى ابيه وقال بلهفة وقلق:

- خير يا حاج ؟

أجاب الجد ونظرات الغموض تكتنف مقلتيه :

- خير يا ولدي, ان شاء الله خير ...

- انت بتجول ايه يا أبوي.. خوي رؤوف هياجي أهنه ؟

هتف عثمان بعبارته بتساؤل ودهشة وعدم تصديق, فيما أومأ الجد بالايجاب وأجاب متنهدا بعمق:

- أيوة يا ولدي .. خوك هياجي...كلها ييمين.. تلاته.. وتلاجيه إهنه.. وسط أهله وناسه, لازمن الطير المهاجر يعاود لعشه من تاني يا عتمان يا ولدي.

قال عثمان وهو لا يدري أيفرح لعودة شقيقه الصغير الغائب منذ ما يقرب الثلاثين عاما... أم يغضب لابتعاده عنهم طوال هذه السنوات دون أي محاولة منه للتواصل معه على أق تقدير شقيقه الأكبر؟!, ولكن الإنطباع الذي غلب عليه هو الحيرة!, نعم.. لِما الآن؟, ما الذي حدث وجعله يقرر العودة الى أهله وبلدته؟, فهو منذ أن غادرهم بعد ان حصل على ليسانس الآداب وقرر ان يقترن بمن اختارها رغما عن رأي والده بل ورأي كبار العائلة وهو لم يسمع منه او عنه شيئا... وان كان يشك ان والده يعرف عنه ولكنه لا يصرّح بهذا...

التفت الى والده وقال :

- وانت عرفت من وين يا حاج ؟

نظر الجد اليه وقال بصرامة :

- انت عارف انى ما انجطعتش عن ولدي يا عتمان ... رؤوف خوك كان بيكلمني ويتحدت إمعايْ ويطمني عن أخباره أول بأول, ولو عليه كان رجع لنا من زمان... بس كان عامل حساب عمك طه وزعله منِّيه... ولمان عرف بمرض عمك جبل ما يموت زاره في المشتشفى واستسمح منه وحبْ على راسه... انا كنت يومها إهناك... وهو اللي طلب مني انه يزوره وسمحت له, وعمك طه سامحه, وكان نفسه يرجع تاني لهله وناسه, بس ولد عمك عدنان ربنا يهديه كان رافض انه يشوفه... بيجول خلا سيرتنا على لسان اهل البلد كلاتهم, الكل كان مستغرب وِلْد عمها فاتها ليه.. وكلام الناس كتير... حتى لو عاوز يتجوز من مصر.. الشرع حلل له أربعة.. يُبجى فاتها ليه جبل الجواز بحاجة بسيطة؟, وحلف ما عاد له ولد عم اسمه رؤوف ولو شافه هيدفنه مكانه!, وانت خابر عدنان ولد عمك ماعيتفاهمش واللي براسه ما في مخلوج يجدر يخرّجه منِّيه!!

قال عثمان مشفق على حال ابن عمه:

- ما هو رؤوف محجوج يا حاج .. كلاتنا غلطناه.. وانا بنفسي نصحته وجولت له لو عاوز يتجوز من مصر ماشي بس ما يصغرش بيك ولا بعمه وبت عمه, جعد يجولي كلام كبير زي انا لو اتجوزتها هظلمها وانا ماعينفعش اكون منافج واخبي على مرتي اللي في مصر, وانه زينب من حجها تتجوز راجل يكون رايدها هيا مش عشان كلام الناس, وركب راسه وعمل اللي في دماغه هو وبس ... بس عموما الكلام ديه من زمن وعدنان ماعادشِ الشاب الصّغيّر اللي بيتحِمِجْ على أجلّها حاجه, هو كبير عيلته دِلْوَكْ بعد عمي طه الله يرحمه ما اتوفى, وانا متأكد انه سامح رؤوف, وخلاص زينب اتجوزت راجل زين وبيحترمها ومن عيلة كبيرة ... رياض طول عمره محترم إمعانا وبيكبر بينا, وربنا بيحب عمي وبت عمي انه عوضهم بواحد زييه...

قال الجد منهيا الحوار :

- جُصر الكلام ... خوك هيوصل في ظرف ييمين تلاته بالكَتير, ومش عاوز حد يفتّح في كلام فات.. خلاص اللي فات مات واحنا ولاد انّهاردِه, ولازمن تاخد خوك وولاده في حضنك وتحت جناحك, انت دلوَكْ عمهم الكبير وهما بنات مالهومش بعد ربنا سبحانه وتعالى الا ابوهم واحنا !!

ارتسمت بسمة حانية على شفاه عثمان وقال :

- هو رؤوف عنديه بنات ؟

أجاب الجد بإبتسامة هادئة:

- إيوة عنديه بتتين !

قطب عثمان وقال :

- مافيش إولاد ؟

هز الجد برأسه نافيا :

- لع... مافيشي ولاد... بتتين واحده دَكتورة والتانية مش عارف بتشتغل في شركة اجنبية ومخلصة حاجه اكده خووك بيجول انها شهادة عالية جووي, لكن انا ماهيمنيش همّا بيشتغلوا ايه, بناتنا مش بيشتغلوا حدا حد.. اللي يهمني انهم يتعلّموا سلوْ بلدنا وعوايدنا وتجاليدنا, ويعيشوا معانا إهنه, خلاص كفاياه خوك سفر وغربة وشحططة!!

قال عثمان ساخرا :

- وبت البندر مرته هترضى تعيش حدانا في الكفر؟, واكيد بناتها طالعين لها .... هيسيبو البندر وياجو يعيشو إهنه؟

أجاب الجد بحزم:

- الحريم مالهومِش شور .. الراي في الاول والاخير راي راجلها وهي اتنفذ وبس!, واذا كان خوك جعدته في البندر نسيته عوايدنا احنا هنفكرو بيها ..اهم شيء انت تكلم عدنان ولد عمك .. هو هياجي الليلة يتحمد لك بالسلامة هو وعايدة اختك مراته وهتاجي سلسبيل بتِّك معهم, زوجها مسافر كم يوم اسكَندرية عشان شغل, واستأذنته انها تاجي مع ابوه وامه تسلم عليكم وهو وافق...

هز عثمان برأسه راضيا وقال :

- راضي طول عمره طيب ومش بيرضى يزعل سلسبيل واصل, عكس خووه ليث.. نار جايده طول الوجت اسم على مسمى صوح ليث وهو كيف الليث في غضبه وعصبيته!, هو وراضي خوه تمام كيف ولدي شهاب وخوه, اللي يشوفه ماهيصدجش انه وغيث توم حتى مش شبه بعض ..عموما اطمن يا ... رؤوف خوي هيرجع بلده وبيته واهله بالسلامة وبناته بناتنا ومرته هنشيلها فووج روسنا كرامة له, لكن هي برضيك لازم تراعي الاصول معانا .

هز الجد برأسه مبتسما وقال :

- اني شوفتها نوبتين تلاته إكده, وعاوز اطمنك إنها كانت في منتهى الاحترام معاي انا وامك ..عموما انا متأكد انها هتراعي جوزها وهتعرف تعيش وسطينا ... طمنت جلبي يا عتمان يا ولدي ربنا يطمن جلبك...

نهض عثمان ومال على والده مقبلا كتفه وقال :

- طب عن اذنك أني يا حاج, هروح أريح شوي... وماتشيلش هم حاجه واصل, ولادك كيف ما ربيتهم... مش احنا اللي نرفض ولدنا ونطلعه من وسطينا, الزمن فات يا حاج والكل شاف حاله وعيال البارحة بجوا رجالة انهاردِه وولادنا بيتزوجوا, وعمي الله يرحمه مات وهو مسامحه وعدنان أنا خابره زين, جلبه كيف الجُطن الابيض, رؤف خويْ هياجي يلاجي بيتنا ودراعتنا وجلوبنا مفتوحا له هو ومرته وبناته!

ابتسم الجد وعقّب:

- الله يرضى عنيك يا ولدي.. روح يا ولدي دارك ريح جتتك شويْ ربنا يبارك فيك وفي عيالك, انت كبير عيلة الخولي من بعدي, اني إكده اطمنت ع العيلة من بعديْ...

انصرف عثمان وهو يدعو لوالده بطول العمر تاركا والده والابتسامة تزين ملامحه .......

================================

صعدوا الى سيارتهم العائلية والتي تقودها سلمى - فوالدها ممنوع بأمر الاطباء من القيادة نظرا لحالة قلبه - وقد جلس والدها بجوارها بينما والدتها وشقيقتها تجلسان في الخلف وقال ابوها بابتسامة :

- ياللا يا سلمى يا حبيبتي رجّعينا بلدنا.. اشتقت لريحتها ولناسها ولزرعها وسماها .

ابتسمت سلمى في حنان وهزت برأسها إيجابا ثم أدارت المحرك وانطلقت في حين نظر رؤوف الى السماء وقال :

- يارب انا استخرتك في الخطوة دي .... اجعل اللي جاي سهل واحفظ لي بناتى ومراتي .....

وبدأت رحلة العودة .... ترى هل سيندم رؤوف على عودته وما مصير بناته ؟؟؟

- يتبع -

كبير العيلة – 3 – بقلمي/منى لطفي

وصلت عائلة رؤوف الى مشارف البلدة وارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه وهو يقول محدثا زوجته وابنتيه :

- شوفتوا بلدكم جميلة ازاي؟, شوفتوا الخضار اللي ملون أرضها.. لونه نفس لون قلوب ناسها.. أخضر وصافي...

قالت سلمى بابتسامة خفيفة :

- جرى ايه يا بابا؟, انا عارفة انك بتحب الأدب والشعر بس دي أول مرة أسمعك بتقول شعر بالطريقة دي.. من ساعة ما ركبنا العربية واحنا في مصر وانت زي الحبيب اللي راجع لحبيبته بعد طول غياب وعمّال يتغزل فيها !!

ضحك والدها ضحكة صافية بينما سارعت سلافة بالهتاف بمرحها المعهود موجهة حديثها الى أمها الجالسة بجوارها على المقعد الخلفي تبتسم بسعادة لسعادة زوجها:

- أوباااا.. خلِّي بالك يا ليلى.. إنِّي ألمح شبح حب قديم يلوح في الأفق غاليتي!!

ضحك الجميع وعلقت ألفت بمرح :

- لا تهتمي يا فتاة.. فقلبه معي ولم يسكنه غيري ..

قال رؤوف مكملا حديثهم بالعربية الفصحى:

- ولن يسكنه غيرك يا ليلايْ!

وانطلقت سلمى متابعة طريقها وسط الضحكات التي تتعالى في السيارة ...

**************************************************

فُتحت بوابة حديدية ضخمة على مصراعيها بعد أن إنطلق زمور سيارة عائلة رؤوف وانطلقت سلمى عابرة اياها بسرعة لتبطيء بعد ذلك من حركتها ما إن اقتربت من البوابة الداخلية للمنزل بينما تلفت شهاب على صوت السيارة المتقدمة للداخل ليرمقها بتساؤل من فوق جواده العربي الاصيل (عنتر)...والذي كان جواداً اسود كالليل البهيم كان شهاب هو من روّضه, فقد كان فرس عربي جامح ولكن شهاب استطاع ترويضه وأصبح فارسه الأوحد ...

- ستِّي الحاجة...يا ستِّي الحاجة الضيوف جوم بالسلامة...

اندفعت وردة تهتف بالبشارة لسيدتها وهي تركض فرحة, بينما قامت فاطمة من مجلسها بسرعة وهي تستند على ركبتيها بوهن وقالت وهى ترتدي خفها الذي لم تستطع ارتداؤه بسهولة من اول مرة لاستعجالها بينما نادت وهى تحاول الإسراع في سيرها بما يسمح لها جسدها الكهل:

- نادمي على الحاج يا بت يا وردة..
قالت وردة الفتاة ذات الرابعة عشر ربيعا وهي تهم بتلبية أمر سيدتها:

- من عينيا.. حاضر, يا حاج.... يا حاج ...

بينما وقفت فاطمة وهي تنظر الى الباب حيث دخل راجح غفيرهم الخاص يحمل حقائب عدة إحداها فوق كتفه الأيمن يسندها براحته اليمنى الغليظة وأخرى تحت إبطه الأيسر وثالثة ورابعة يمسك بمقبضيهما بكفّه الأيسر الغليظ!!

تنحنح راجح وهويسعل هاتفا بضخامة صوته الجهوري:

- يا رب يا ساتر....

ووضع الحقائب جانبا بينما تقف فاطة تنظر بلهفة الى الباب والدموع تتلألأ في عينيها وإبتسامة ترقب ترتسم على شفتيها المشققتين, حبست أنفاسها حين طالعتها قامة مديدة يعلوها رأس اسود غزا الشيب شعره, ارتجفت شفتيها ومدت يديها فاتحة ذراعيها وهى تقول بتلعثم وإبتسامة سعادة وعدم تصديق لما تراه عينيها تشق طريقها الى وجهها المتغضن فيما تتدافع الكلمات من فمها بينما ترتعش شفتاها وتغيم عيناها بالدموع التي فاضت ما ان نطقت قائلة :

- و.. ولـ... ولدي, ولداااااااي .....

ركض رؤوف الى أمه في سرعة وكأنه قد غدا شابا في العشرين من عمره, ليلقي بنفسه بين أحضانها الدافئة, هذا الحضن الذي حُرم منه طويلا, كانت تغسل وجهيهما بدموعها بينما يقبل هو كل إِنش في وجهها وتقبل هي رأسه ووجهه وهي تهتف منادية بإسمه ثم ابتعدت قليلا عنه لتملأ عينيها برؤية وجهه الذي اشتاقت له حتى أمرضها شوقها ذلك, ثم أحاطت وجهه بكفيها المغضنتين وهي تقول من بين غصات بكائها الحار والذي يناقض الابتسامة الواسعة التي ارتسمت على وجهها لتنيره:

- رؤوف .. ولدي, يا حتة من جلبي, اتوحشتك جوووي.. جووي يا ولدي...

امسك رؤوف بيديها المحيطة بوجهه ليقبل باطن كفيها وهو يقول بينما دموعه قد غلبته رغما عنه لتغرق وجنتيه:

- وانتي كمان يا أمي.. وحشتيني اووي... اوووي ...

سمع صوتا على الرغم من عدد السنين التي مرّت ولكنه لا يزال محتفظا بقوته وثباته وهو يهتف آمرا:

- كفاياكي يا فاطنة... خليني اعرف اسلم على الغالي...

رفع رؤوف رأسه ليشاهد نظرات والده المشتاقة وهو يتابع بابتسامة مرتجفة رغما عنه فاتحا ذراعيه على وسعهما:

- ايه .. ما اتوحشتنيش آني كُمااان ولا ايه يا ابن عبد الحميد؟!.

ابتعد رؤوف قليلا عن والدته وسار حتى والده وهو يجيب بابتسامة مشتاقة ودموع تسيل رغما عنه مغرقة وجهه الأسمر:

- ابن عبد الحميد اشتاق لريحة عبد الحميد يا حاج..

ورمى نفسه بين ذراعي والده ليتلقفه حضنه القوي الدافيء ورفع يد والده يقبل ظاهرها وسط عبارات الحمد والشكر لله التي صدرت من عبد الحميد أن منّ عليه الله بإحتواء ابنه ثانية بين ذراعيه ورؤيته وسط عائلته قبل ان توافيه المنية...

راقبت عائلته الصغيرة ما حدث من لقاء عائلها الحبيب مع والديْه والدموع تجري مدراراً من فيض المشاعر التي تراه امامها, ابتعد قليلا رؤوف عن والده واشار بيده الى عائلته الصغيرة الواقفة بجوار بعضها البعض وهو يقول وابتسامة فخر صغيرة ترتسم على وجهه :

- عيلتي يا حاج ...

قالت فاطمة وهى تحاول ايقاف دموعها بإبتسامة أمومية حانية:

- ما شاء الله يا ولدي ...

بينما واصل رؤوف حاثًّا عائلته على التقدم والسلام على والديه:

- سلمى, سلافة, تعالوا حبايبي سلموا..., ثم تابع بفخر مشيرا الى والديْه:

- دا جدكم.. أبويا الحاج عبد الحميد, وجدتكم... أمي الحاجة فاطمة...

اقتربت ألفت للسلام على حماها وحماتها وقالت بابتسامة هادئة صافية وهي تقبل رأسيهما:

- انا مبسوطة جدا انى شوفتكم.. رؤوف بيتكلم عنكم كتير وما صادفش في الكم مرة اللي اتقابلتوا فيها إني أكون موجودة..

رحبت بها فاطمة قائلة بابتسامة صغيرة:

- بيتك وُمطرحك يا مرات الغالي.., بينما صافحها الجد مرحبا بها بابتسامة هادئة.....

قدّم رؤوف سلمى قائلا بفخر أبوي:

- دي سلمى يا حاج... الدكتورة سلمى رؤوف عبد الحميد الخولي...

اقتربت سلمى وصافحت جدها مقبلة رأسه بينما تلقفتها جدتها بين أحضانها وهى تهتف بحب:

- بسم الله ما شاء الله.... دَكتووورة !, أهلا بيكي يا بتِّي... نورتي بيتك ومُطرحك يا ست الدكتووورة..

اقتربت سلافة بينما تزين ثغرها ابتسامة واسعة وهي تسبق والدها في التعريف بنفسها بمرحها المعهود:

- وانا بأه آخر العنقود سكر معقود...

التفتت اليها جدتها وقالت وهى تفتح ذراعيها اليها :

- تعالي يا سكر إنتي, شكلك سكر ودمك احلى من السكر كومان...

احتضنتها سلافة وهى تقبل راسها وهتفت بشقاوتها المحببة:

- انت اللي احلى من العسل يا ماما ستو...

قطبت جدتها قليلا وابعدتها عنها وهي تستفهم بحيرة:

- واه!, ايه؟, ماما ستو؟, ايه ماما ستو دايْ؟..

أجاب رؤوف بابتسامة صغيرة:

- ماما ستو يعني جدتي يا أم رؤوف بس في البندر بيقولوها كدا.

قالت الجدة وهى تحيط كتفي سلافة بذراعها بضحكة سعيدة:

- ماما ستو... ماما ستو, ماعيفرجش.. اهنه بيجولو جدتي.. لكن أي حاجه منيكي مجبولة يا بت الغالي, وانت بجاه اسمك ايه على اكده؟, بوكي جالو بس ما تواخزنيش يا بتّي راح من بالي!.

قطبت سلافة بينما ضحك والدها وهو يجيب:

- معلهش يا حاجه.. اصل اسمها مش عاجبها!

قطبت امه سائلة :

- ايه ؟, مش عاجبها ؟, ليه يعني؟!, عيكون اسمها ايه ان شاء الله.... زليخة؟

ضحك رؤوف قائلا :

- لأ ... سلافة!

كررت فاطمة هاتفة:

- ايه؟, مين؟, كيف سُلفة يعني؟, تاجي إزايْ ديْ؟!

تبرّمت سلافة وقالت لوالدها بحزن مصطنع:

- شوفت يا بابايا... أهي ماما ستو مش عاجبها الاسم وبتقول سلفة!!, لا يا ماما ستو مش سلفة... سلافة.. اقولك.. قوليلي سولي!

هتفت جدتها باستهجان :

- واه... ايه؟, سولي؟, ديه كلب دِه؟, كيف يا بتي أناديكي باسم كلب الله يرضى عنيكي بس؟!!

ضحكت ألفت قائلة :

- شوفتي.. مش انا لوحدي اللي مش عاجبني اسم الدلع بتاعك! قالت سلافة بحنق :

- خلاص يا ماما ستو قولي لي.. لولو!, ايه رأيك؟, أظن سهلة أهي؟!

أجابت فاطمة وهي تشيح بيدها :

- مِشِ إمهمْ... لولو.. لولو, إلِمهم انك أحلى من اسمك..

ضحك الجميع بينما اقترب الجد وهو يقول :

- طيب ولولو مش ناوية تسلم على جدها ولا ايه؟

اقتربت سلافة وهي تجيب بضحكتها التي تدخل القلوب:

- معقولة يا بابا جدو؟, أنا من ساعة بابايا ما كلمنى على حضرتك ونفسي اشوفك...

احتواها جدها بين ذراعيه وهي يقول بحنان أبويّ:

- شكلك إكده.. نصابة إصغيرة كيف بووكي وهو في سنّك إكده.. كان بياكل بعجلي ياما حلاوة!

سمعوا صوتا جهوريا يقول :

- وكانت النتيجة انه بعد عنِّنا اكتر من 30 سنة !.

التفتوا جميعا ليشاهدوا عثمان وهو يتقدم منهم وما لبث ان وقف قليلا يطالع في أخيه الواقف وسط عائلته الصغيرة التي استطاعت نيل اعجاب والده ووالدته منذ لحظة دخولهم, نظر مليا الى شقيقه الذي وقف يبادله النظرات بأخرى هادئة.. متسائلة.... قلقة!!, بينما نظرات عثمان يشوبها الغموض, وساد الصمت المترقب بين الجميع, وكان عثمان أول من خرقه عندما ترك العصا الأبنوسية التي يحملها جانبا ومد ذراعيه قائلا وابتسامة بدأت في الظهور على محياه :

- نورت بيتك يا وِلد أبوي...

ليسارع رؤوف باحتضان شقيقه وهو يتشمم رائحته بلهفة كبيرة, تلك الرائحة العابقة برائحة هذه الارض الطيبة والتي اشتاق اليها اشتياق العطشان للماء ..

أشارت فاطمة لإمرأة تقف بعيدا تراقب ما يحدث أمامها وتعابير وجهها لا تنم عما يجيش في صدرها من مخاوف وتساؤلات, وبعضا من الغيرة لدى رؤيتها لفرحة الجميع بعودة الغائب بصحبة عائلته, هتفت فاطمة بابتسامة واسعة:

- جدّمي يا أم غيث سلِّمِي على ولد عمك رؤوف ومَرَتُه وبناته...

تقدمت راوية وهي تعدل من وضع وشاحها الملون العريض فوق رأسها ورسمت ابتسامة هادئة وقالت مرحبة وهي تنظر بطرف عينها الى رؤوف:

- حمدلله ع السلامة يا وِلد عمي...

رد رؤوف تحيتها بإيماءة صغيرة من رأسه وقال ببشاشة:

- الله يسلمك يا أم غيث...

تقدمت باتجاه ألفت ووقفت أمامها ومدت يدها لتصافحها وهي تقول برسمية:

- البلد نورت بوجودكم....

ومالت عليها لتقبلها قبلة خفيفة باردة ولكن ألفت لم تقف عندها وأجابت بابتسامة صافية:

- منورة بيكم يا أم غيث....

ابتعدت راوية بعد ذلك وهي ترمق البنتين بغموض, سارعت سلمى لمصافحتها وهي تقبلها قائلة:

- أزيك يا طنط؟..

وتبعتها سلافة وهي تكمل:

- عاملة ايه يا طنط؟..

أخفت راوية امتعاضها من اسلوب البنتين في الكلام, واستهجنت في داخلها هامسة مع نفسها:

- طنط وطنط, ايه الكلام الماسخ ديه؟, كَنْهُمْ بيجولوا طنطا!, انما هجول إيه؟, طالعين لامهم, مجايبك يا ولد عمي!!

قال الجد قاطعا السلام البارد الذي استشعره من كنَّته راوية تجاه عائلة ولده الآخر رؤوف:

- جرى ايه يا أم غيث, فين الغدا, ضيوفنا أكيد جاعوا من تعب المشوار والطريج!!..

هنا تبدلت تعابير راوية من البرود للهفة وسرعة الاستجابة مما دل على مدى الاحترام والهيبة التي يمثلها هذا الصرح الشامخ الواقف أمامهم والذي مهما مرت عليه السنون فإنها لا تنقص من مكانته وهيبته وسط أفراد عائلته شيئا, قالت راوية وهي تهم بالذهاب:

- حالا يا بويا الحاج, هجولهم يجهزوا الغدا...



************************************************

جلس الجميع في غرفة الجلوس الكبيرة بمقاعدها الخشبية الثمينة المنحوتة على هيئة الأرابيسك, كان رؤوف أول من قطع الحديث الدائر حول أحوال البلدة والأهل والأقارب حينما توجه بالسؤال الى شقيقه الأكبر قائلا:

- أومال فين أولادك يا أبو غيث؟, غيث وشهاب وسلسبيل صح؟

أجاب عثمان بابتسامة فخورة:

- صوح يا ولد أبويْ, غيث في الديوان دِلوكْ, وشهاب في المزرعة أما سلسبيل بجه فهي ببيت جوزها... راضي وِلد عدنان إبن عمنا طه الله يِّرحَمُهْ, ما كانوش يعرفوا انك هتاجي انّهارْدِهْ, ولا كانوا هيبجوا في استجبالكم...

قال رؤوف بابتسامة حانية:

- ربنا يخليهوملك ويفرحك بيهم, انما غيث وشهاب ما اتجوزوش؟

أجاب الجد وهو ينظر الى ولده عثمان بغموض:

- لع, لسّاتهم من غير جواز, كل واحد بيستنى نصيبه, ولمّن النصيب بياجي ما في حد يجدر يوجف جُصاده!!..

قطب عثمان لدى سماعه عبارة والده, وتذكر معارضة والده في زواج ابنيه خاصة وأنهما قد تخطيا سن الزواج بالنسبة لعاداتهم, فالشاب ما ان يبلغ العشرون عاما حتى يبدأ الأهل بالتخطيط لزواجه, وكلما فاتح أباه في مسألة زواج الأبناء, أغلق الوالد الحديث في هذا الأمر بغموض قائلا أن النصيب لم يأت بعد, وعندما حاول دفع غيث بالحديث في هذا الشأن مع جده فاجئه غيث بأن هذا ليس بالأمر الجلل, وأنه واثق ما إن يزمع على الزواج بجدية فإنه قادر على إقناع جدّه, بينما شهاب رفض النقاش في الأمر جملة وتفصيلا هاتفا أنه لا يفكر بهذا الأمر ولو قدر أنملة الآن!!...

همس عثمان في نفسه وهو يطالع أبوه يتبادل المزاح مع حفيدتيْه:

- يا ترى يا أبو عتمان ناوي على ايه؟, أنا خابرك زين, ما بتجولش كلام والسلام, كل حرف بيطلع من خاشمك بتكون واعي له زين!, ربنا يستر من اللي جاي يا حاج...

وهو يعلم يقينا في قرارة نفسه أن والده قد وضع قرارا بشأن أحفاده ولم يبقى سوى الإفصاح عنه و.....التنفيذ!!

--------------------------------------------------------

تجمعت العائلة حول مائدة عامرة بكل ما لذ وطاب من أكلات مختلفة شهية المذاق, جلس الجميع, الجد على رأس المائدة والى يمينه عثمان ويساره رؤوف, والى يمين عثمان راوية, بينما الى يسار رؤوف ألفت فسلمى ثم سلافة, وعلى الجهة المقابلة للجد كانت فاطمة والتي لم تجلس طوال مدة تناولهم الطعام, بل اتخذت مكانها واقفة بجوار رؤوف ابنها تهتم بوضع شتى أنواع المأكولات في صحنه, قال رؤوف وهو لم يعد يستطيع وضع لقمة اضافية في فمه:

- كفاية يا أمي, بطني هتنفجر من كتر الأكل..

شهقت فاطمة مفجوعة وخبطت على صدرها هاتفة بلوم:

- بعد الشر عنيك يا ولد بطني, ان شالله اللي يكرهك, خد يا ضنايا اشرب بوج الماية ديِه وانت هتُبجى منيح...

ومدت اليه كوبا من الماء فتناوله منها وأمسك بيدها قبل أن تبعدها ومال عليها مقبلا ظاهرها وهو يقول بابتسامة:

- ربنا يخليكي ليا يا غالية وما يحرمنيش منك ابدا انتي والحاج...

ورفع كوب الماء ليشربه بينما مالت سلافة على أذن سلمى بجوارها وهمست لها بابتسامة مكتومة:

- الحقي شكل جدتك هتاخد قيس ابن الملوح من ليلى, وشكله كدا ليلى راح عليها خلاص!!..

وكزت سلمى سلافة بمرفقها في خاصرتها فتأوهت الأخيرة بألم ونظرت اليها بعتب بينما تحدثت سلمى بحزم وهي تطالع صحنها:

- سلافة... بطلي تهريجك دا, هما هنا ميعرفوناش ولا يعرفوا طريقتك في الكلام, فلو سمحتي تراعي دا كويس اوي, ولا انتي مش واخده بالك من مرات عمك من ساعة ما قعدنا وعينها ما نزلتش من علينا, وبتبص لنا بنظرات غريبة تخض, زي ما نكون جايين علشان نطردها ونقعد مكانها!!..

تأففت سلافة وقالت بهمس:

- خلاص خلاص, آسفة, بس انا كنت بكلمك انتي بس, احنا هنبتيدها حبسة نَفَس!, وبعدين مرات عمك مع نفسها... أهم حاجة ما نحاولش نحتكْ بيها خالص...

ثم انفرجت أساريرها وتابعت بابتسامة صغيرة:

- والأهم بقه ان جدك وجدتك الفرحة مش سيعاهُم, وحاسة انه عمك كدا كمان, وكفاية فرحة بابا, شوفي ماما حتى من ساعة ما جينا وهي بتبتسم وعينها ما نزلتش من على بابا فرحانه لفرحته, وبصراحه مقابلتهم كلهم لينا حلوة, ما فيش غير مرات عمك ودي شكلها كدا بيعمل لجدك ألف مليون حساب, انا متفائلة بالاجازة دي ان شاء الله..

أجابت سلمى بخفوت:

- بس لسه باقي العيلة.... ولاد عمك, يا ترى هيتبسطوا هما كمان ولا هيطلعوا لمرات عمك؟!!..

هزت سلافة بكتفيها علامة الجهل, ثم انصرفت تتابع تناول طعامها وكذلك سلمى....

مر وقت تناول الطعام وسط الاحاديث الخفيفة تتخللها تعليقات سلافة المرحة وابتسامة سلمى الهادئة, وفرحة رؤوف بعودته الى أحضان عائلته مرة أخرى وسعادة ألفت لسعادة زوجها...

================================

تم تخصيص طابق كامل لعائلة رؤوف, كان هذا الطابق وللغرابة قد تم بنيانه منذ أكثر من ثلاثون عاما لكي يعيش فيه رؤوف مع زوجته زينب شقيقة راوية, ولكن تم إقفاله بعد ان رحل رؤوف عن البلدة, وأُعيد فتحه ثانية وتجهيزه عندما تلقى الجد اتصالا من ولده يخبره فيه أنه يزمع على العودة الى البلدة قريبا برفقة عائلته..

كان الطابق عبارة عن شقة واسعة الى حد ما, تتكون من ثلاث غرف, اثنتان للنوم وواحدة للجلوس, وردهة متوسطة, ومطبخ وحمامين, أحدهما في غرفة النوم الرئيسية والآخر بجوار غرفة النوم الأخرى والتي تم تخصيصها لسلمى وسلافة...

دخلتا الى شقّتهما العلوية بعد ان استأذنوا للصعود الى الأعلى للحصول على قدر من الراحة, دارت سلمى بعينيها في المكان حولها, بينما أطلقت سلافة صافرة طويلة وهتفت:

- يا سلااام, شوفتي الجمال, واضح كدا ان جدك جاب مهندس ديكور على أعلى مستوى, الشقة بتاعتنا على أحدث حاجة, سواء في لون الحيطان ولا التشطيب أو حتى الموبيليا....

علقت سلمى بهدوئها المعهود وهي تجول بناظريها في ارجاء المكان:

- فعلا يا سولي, وأهم حاجة الهدوء, علشان أقدر أنجز في الرسالة بتاعتي...

اقتربت سلافة من المرآة التى تتوسط الحائط في ردهة المنزل بينما انسحب والديهما الى غرفتهما ما ان صعدا الى الأعلى, قالت سلافة وهى تطالع نفسها في المرآة:

- تفتكري بابا لما يشوف باقي العيلة بالليل زي ما جدو قال, محدش هيحرجه بأي كلمة؟

تطلعت سلافة الى نفسها في المرآة وهى تنتظر جواب أختها, رأت انعكاس صورتها في المرآة وتذكرت تعليق جدتها حين رأتها أنها قد اكتسبت الشكل الحسن من والدتها ولكن خفة الدم وسرعة البديهة من والدها...

قارنت بينها وبين شقيقتها الواقفة خلفها تدور بعينيها في المكان..

من يراهما لأول وهلة يحسبهما توأمين, مع ان فارق العمر بينهما أكثر من اربعة سنوات, فكلتيهما تملكان نفس الصفات الشكلية مع فروقات بسيطة, وان كانت سلافة قد ورثت قامتها الرقيقة الضئيلة من أمها بينما ورثت سلمى طول القامة من والدهما والاثنتان تشتركان في رشاقة الجسم وخصر غاية في الدقة, وتملكان نفس لون البشرة الأبيض المشرّب بحمرة كوالدتهما والتى ورثتها عن جدتها لأمها التركية, وعينان واسعتان مكللتان برموش غزيرة, بينما تختلفان في لون العينين, فعيني سلافة سوداء عميقة تتيه في ليلها, أما سلمى فزيتونية العينين, تجعلك تشرد في غابات الزيتون الخاصة بها, و لهما شعر أسود كالليل البهيم, يتعدى كتفيهما, فالشعر الطويل هو زينة المرأة كما دأبت والدتهما على القول, وإن كانت سلافة كثيرا ما خالفت رغبة والدتهما وعمدت الى قص شعرها كي يسهل عليها تصفيفه على الرغم من نعومته الزائدة عن الحد لدرجة انها قد عمدت أحيانا الى تجعيده كي يثبت!!..

قالت سلمى مجيبة بهدوء وهي تتجه الى غرفتهما:

- ما تقلقيش, اللي انا شوفته تحت يخليني أقولك ان جدنا هنا الكل بيعمل له ألف حساب, وانه محدش هيقدر يقول لبابا كلمة واحدة تزعله, و.....

وبترت عبارتها بشهقة مباغتة, فاتجهت اليها سلافة ووقفت أمام باب الغرفة مستندة بيديها على حائط الباب بجوارها وقالت قاطبة:

- ايه يا سلمى مالك فيه ايه؟

عقدت سلمى جبينها وزفرت بغيظ وهي تجيب بحنق:

- اللاب بتاعي شكلي كدا نسيته في العربية, اووف.. ياربي – ونفخت بضيق وتابعت – لازم اروح اجيبه من العربية كنت عاوزة أستغل الوقت في الرسالة بتاعتي قبل ما الضيوف بتوع بالليل ما ييجوا...

ثم سارعت بالمغادرة فانتحت سلافة بعيدا لتسمح لها بالمرور فيما تابعت سلمى وقد تناولت مفاتيح السيارة وهي تسرع بالمغادرة:

- هروح أجيب اللاب وآجي على طول, خلي بالك من الجرس لما أرجع , بلاش تحطي لي السماعات في ودانك وأقعد أهاتي علشان تفتحيلي..

أومأت سلافة بالايجاب فيما انطلقت سلمى من فورها وهي تنفخ بضيق فمن ناحية هي تشعر بالتعب الجسماني نظرا لطول المسافة التي قادتها ولم تخلد الى الرائحة مطلقا حتى بعد وصولهم, ومن ناحية أخرى ذلك القلق الطبيعي الذي يساورها بشأن عائلة والدها, وأيضاً أمر رسالة الدكتوراه والذي تريد انجازه في أسرع وقت...

زفرت براحة وهي تخرج حقيبة اللاب من المقعد الخلفي حيث كان موضوعا في الدواسة الخلفية, وابتسمت براحة قبل أن تغلق باب السيارة ثم تسرع بالذهاب وهي تفكر جيدا في الجزئية التالية برسالتها والتي طلب منها أستاذها المشرف على الرسالة تعديلها وكانت غارقة في أفكارها بشدة وذلك حين اصطدمت بقوة في حائط ضخم كاد أن يحطمها!!..

شهقت ملتاعة, فلم يكن الحائط سوى حائط بشري بصدر عضلي عريض كاد يحطم أضلعها التي ارتطمت به, وكرد فعل لمفاجئتها رجعت الى الوراء بسرعة كادت أن تتسبب في سقوطها لولا أن امتدت يدين قويتين أمسكتا بمرفقيها وتعالى صوت خشن غاضب يهتف بغلظة:

- ايه دا؟, مش تشوفي قودامك؟!, واخده في وشّك وماشية كدا زي القطر!!...

انتبهت سلمى من جمودها الذي سببه مفاجئتها في الارتطام بمحدثها, وشعرت بالانزعاج من هذا الضخم المستبد, هي لم تقصد إطلاقا الاصطدام به, وهل هناك عاقلا يرتطم بحائط خرساني مسلح يكاد يصيبه بتهتك في ضلوعه وهو بكامل وعيّه؟!!...

رفعت عينيها إليه وفتحت فمها وهي تهم بالرد عليه بكلمات توقفه بها عند حده, وتجعله يكف عن تمتماته الغاضبة تلك, حينما إصطدمت نظراتها الزيتونية بأخرى مشتعلة كالفحم الملتهب, ليسود الصمت التام, وقد تلاقت الأعين... وهمست الشفاه, و...... رجفت القلوب!!..



- راحت فين يا ربي دي؟..

تأففت سلافة من طول غياب سلمى وقررت الذهاب للتفتيش عنها ومعرفة سبب تأخرها وفجأة طرق سمعها صوت طرقات متتالية على الباب, فسارعت لفتحه وقد علمت أنها سلمى وهتفت وهي تفتح الباب على مصراعيه بسخرية:

- ما بدري يا ست سلمى, ايه كنتي بتمشي جوّه الجزمة الأول؟؟

وقطبت ما إن طالعتها الهيئة الواقفة خلف الباب, كان مديرا لها ظهره ولكن ما إن سمع عبارتها الساخرة حتى التفت في دهشة يطالع صاحبة الصوت الساخر لتطالعه هيئتها وكانت قد أبدلت ثيابها بأخرى خفيفة عبارة عن بنطالا قطني يصل الى منتصف الساق وبلوزة بيتية عليها رسم عروس البحور الشهيرة, بنصف كم, ورقبة مربعة عريضة, وقد رفعت شعرها بمشبك فوق رأسها وتطاير بعض خصلاته حول وجهها ليكسبها رقة وجاذبية مهلكة!!

شهقت سلافة وهي ترى ذلك الكائن الضخم الواقف ببابهم, يطالعها بنظرات مشدوهة يبادلها نظراتها المندهشة بأخرى مذهولة, حاولت التحدث ولكنها سرعان ما سكتت فجأة وهي تسمعه يهمس بإنبهار بالرغم منه وكأنه مغيّب وهو لا يستطيع إبعاد عينيه عن هذه الصورة الملائكية الخلابة التي تمتثل واقفة أمامه:

- بسم الله ما شاء الله, سبحان من خلجك وصوّرك!!..

شهقتها الخجلى جعلته يفيق من التيه الذي شعر به لتتحول نظراته من ذهول وعدم تصديق الى أخرى نارية ملتهبة وهو يطالعها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها بدهشة ممزوجة بحدة وغضب, ثم انتبه الى وقوفهما أمام الباب ليقبض على مرفقها ويدفعها الى الداخل بسرعة صافقا الباب خلفه بعنف وتحدث بحدة من بين أسنانه المطبقة:

- إنتي إتجنيتي؟, كيف تفتحي الباب وانتي لابسة خلجاتك ديْ؟, فين عمي رؤوف؟..

تساءلت سلافة بدهشة بعد أن استطاعت تجميع قواها:

- عمك؟!..

مال عليها وهو لا يزال قابضا على مرفقها بقوة آلمتها بينما تابعت بتساؤل مرتبك من نظراته القوية وهو يطالع عينيها ليتيه في ليلها السرمدي بينما تقابلها سماء رمادية ترعد في دخان عينيه في ليل عاصف:

- إنتَ....

قاطعها ساخرا:

- غيث وِلد عمك يا.. بت عمي!!

شهقت صغيرة أعقبها جذبها لمرفقها بشدة لتفلته من قبضته, ثم وقفت بارتباك هنيهة لا تدري ماذا عليها أن تفعل قبل ان تسارع الى الداخل لتنادي والدها وقد شعرت بأن القط قد أكل لسانها من هذا الكائن الهمجي الضخم وكأنه الأسد ملك الغابة والذي اقتحم عليها ملاذها الآمن!!..

في حين نظر غيث في أعقابها وهي تختفي من أمامه في إحدى الغرف وتمتم بخفوت:

- بجه ديْ تبجي بت عمي رؤوف؟!, لو أنا منِّيه ما عخليش حد يلمح طرفك واصل يا.... بت عمِّي!!

- يتبع -

كبير العيلة الحلقة الرابعة:

بقلمي/ احكي ياشهرزاد(منى لطفي)



تقدم رؤوف حيث تركت سُلافة غيث واقفا وهو يمد يده مصافحا ويقول ببشاشة:

- أهلا .. أهلا... إيه المفاجأة دي؟؟

بادله غيث المصافحة ومال عليه مقبلا رأسه الأشيب وهو يقول بإحترام تام وابتسامة صغيرة ترتسم على وجهه الأسمر:

- الله يخليك يا عمي, أهلا بحضْرِتَكْ, نورت الكفر والصعيد كلّاته....

أشار رؤوف الى مقعدين كبيرين خلفه داعيا إياه للجلوس, فجلس تبعه غيث بينما أجاب رؤوف:

- منورة بيكم انتم يا إبن أخويا....

ابتسم غيث وعيناه تسترقان النظر رغما عنه حيث اختفت تلك الغزال الشارد ومنع نفسه بصعوبة عن سؤال عمه عمن تكون من بناته الأثنتين؟, فعلى حسب معلوماته من جده أنه يملك ابنتيْ عم من عمه رؤوف..

قطع استرساله وقوف ألفت أمامه وهى تقول بترحيب حاملة صينية عليها كؤوس العصير البارد:

- فرصة سعيدة أوي يا غيث يا بني...

انتفض غيث واقفا ومد يده متناولا الصينية من يدها وهو يجيب بينما يضع الصينية على الطاولة الرخامية التى تتوسط الجلسة:

- أني أسعد يا مَرَتْ عمِّي...

بعد أن استقروا في أماكنهم التفت رؤوف الى ألفت سائلا:

- أومال سلافة فين؟, ماجابتش هي العصير ليه؟؟

تصنع غيث عدم الاهتمام بسماع اجابة السؤال وفي داخله يحترق لسماع الاجابة متزامنا مع انتفاضة صغيرة لخافقه لدى سماعه اسمها الذي أعجب به لغرابته!!..

قالت ألفت بابتسامة:

- أبدا, انت عارفها على ما تجهز نفسها فيها ساعة, قلت أنا أسرع...

لم يمر وقت قليل تبادل فيه غيث الحديث مع عمه ليفاجأ بظهور من نوع آخر لتلك الغزال الشارد وهو يقبل عليهم بخطوات خفيفة وكأنها تطير فوق الأرض لا تسير!, ليرفع عينيه إليها فيرى وجها ملائكيا بملامح طفلة وفتنة إمرأة!!..

تقدمت إليه تبتسم إبتسامة صغيرة وهي تهز برأسها بالتحية قائلة بصوتها ذو النغمة المميزة:

- أهلا يا إبن عمي...

ليقف ناظرا اليها هنيهة قبل ان تعتلي عيناه الغموض وهو يوميء برأسه قليلا مجيبا وقد ارتفعت طرفي شفتيه المغطاة بشارب كثيف قائلا:

- أهلا إنبك يا بت عمي...

جلست سلافة بجوار والدتها تبعها غيث, كانت سلافة تسترق النظر اليه بينما انخرط في الحديث مع والدها, جابت عيناها في هيئته التي أثارت الذعر في قلبها منذ قليل ما إن طالعها أمام الباب بهيئته الضخمة وجلبابه الرمادي وتلك العمامة الملفوفة حول رأسه بإتقان تام ذكرها بعتريس في فيلم شيء من الخوف!

نظرت الى وجهه حيث حاجباه الكثّان المعقودان بتركيز لحديث عمه, وأنفه الطويل المعقوف بدايته بشكل يدل على أنه أثر حادث قديم قد يعود الى طفولته, بينما يبتسم فمه المغطى بشارب أسود كثيف ابتسامة صغيرة لوالدها, ولفت نظرها ذلك النغز العميق في وسط ذقنه العريض بينما ترتكز هذه الرأس على عنق طويل يظهر به تفاحة آدم بوضوح, ولتكمل هذه الصورة بنيته الضخمة بكتفيه العريضتان وكأنه لاعب في كمال الأجسام, ولن تنسى مطلقا نظرة عيناه الرمادية ما إن وقع نظره عليها ولا هتافه بذهول غير مصدق لما تراه عيناه!!..

لم يكن حال غيث بأفضل من حال سلافة, ولكنه برع كالعادة في كتم مشاعره وانفعالاته والتعامل ببرود وكأن شيئا لم يكن بينما هناك فتيل بدأ بالإشتعال منذ أن أبصر تلك الشعلة المتوهجة أمام عينيه منذ برهة ليست بالقصيرة!!..

لن يستطع أن ينكر استحسانه لما يراها عليه الآن فقد أبدلت ثيابها بأخرى محتشمة بدءا من تنورة طويلة حتى الكاحل باللون البني يعلوها قميص قطني يصل أكمامه حتى المرفق باللون الكريمي, ولكن ما جعله يعود ليقطب جبينه غير راض ملاحظته لإحكام هذا القميص تماما على نصفها العلوي مما أوضح دقة خصرها!!..

تمتم في نفسه مستنكرا:

- انتي متعرفيشي تلبسي صوح للآخر ابدا؟, شكلك متجلعة جوي!!..

انتبه من شروده على صوت عمه وهو يهتف قائلا:

- سلمى... كنت فين؟, تعالي سلِّمي على غيث ابن عمك...

رفع عيناه لتطالعه فتاة قريبة الشبه بتلك التي تجلس بجوار والدتها وكأنها قطة فوق صفيح ساخن!, يعتقد من يراهما للوهلة الأولى أنهما توأمين, ولكنه لاحظ بعد أن تمعن فيها أن تلك القادمة أطول قامة من شقيقتها, ومن الواضح أنها تتسم بالاتزان أكثر وإن لم يخفى عليه نظراتها الزائغة وإرتباكها الواضح!!

بعد أن تمتمت سلمى بعبارات الترحيب بغيث استأذنت بالانصراف فلحقت بها سلافة معتذرة بابتسامة صغيرة تاركة غيث ينظر في أعقابهما وقد انعقد جبينه في تقطيبة عميقة!!

- إيه يا بنتي كنتي فين كل دا؟؟

زفرت سلمى بعمق وهي ترتمي جالسة فوق الفراش خلفها وتقول بتعب:

- اسكتي يا سولي, خليني أشم نفسي الأول, أنا مش مصدقة اني وصلت هنا!!...

جلست سلافة فوق الفراش المقابل لها وقطبت بحيرة متسائلة:

- مش مصدقة انك وصلتي هنا؟, ليه يعني هو انتي كنت خرجت في مشوار وتهتي عن السكة؟؟

نظرت اليها سلمى وقالت بتنهيدة عميقة:

- لا... بس من اللي حصل تحت!!..

عقدت سلافة ساعديها ومالت بإتجاهها وقد ارتسمت ابتسامة حماسية على شفتيها الكرزتين وهو تهتف بحماس:

- أيوة وإيه بقه اللي حصل تحت؟

سلمى ببرود:

- خبطت في حيطة!!

عقدت سلافة جبينها ورجعت بجسدها الى الوراء قليلا ورددت:

- نعم؟, خبطتي في حيطة!!

هزت سلمى رأسها بتأكيد قائلة:

- ومش أي حيطة.... حائط خرساني مسلّح ومن النوع التقيل كمان!!

رفعت سلافة ساقيها فوق الفراش وكتفتهما في تربيعة وهتفت بإندفاع:

- لالالا الموضوع عاوز له قاعدة, من الأول خالص وواحدة واحدة....

قصت سلمى على شقيقتها كيف اصطدمت بشهاب ابن عمهما والذي لم تعرف هويته إلا بعد أن ألقى على مسامعها عبارات غاضبة مما جعلها تكيل له بمكيالين, وقد شردت نظراتها وهي تستعيد المشهد ثانية...

************************************************

رفعت عيناها اليه لترد على عباراته النابية بأخرى أغلظ منها, عندما اصطدمت عيناهما, سكتا قليلا قبل أن تكون هي أول من يخرق هذا الصمت وهي تحاول الفكاك من قبضته لمرفقيها هاتفة بإرتباك:

- انت فاكر نفسك بتعمل ايه بالظبط؟؟؟

لينتبه شهاب على شروده في نظراتها التي سمرته, وحاول إستعادة تركيزه فهتف بحدة:

- بسندك يا هانم بدل ما كنت وقعت على وشّك!, هي دي شكرا اللي بتقوليها؟, المفروض مش يبقى فيه رخصة بس للعربيات.. لأ!. لازم كمان يعملوا رخصة للي زيّك... علشان يتعلموا يمشوا في الشارع ازاي!
نظرت اليه بنصف عين وقد شعرت بالحنق من كلماته ولكنها لن تدعه يفرح بإغاظتها وبدلا من ذلك تخصرت أمامه قائلة ببرود:

- والله أنا مش ماشية في الشارع.. أنا هنا في بيتي!!

قطب شهاب بحدة وهتف:

- ايه؟, بيتك!!
أومأت ايجابا مكررة :

- أيوة بيتي, دا يبقى بيت جدي... عبدالحميد الخولي..

ابتسم شهاب بسخرية وأجاب:

- والله؟, امممم... على كدا بقه انتي تبقي بنت عمي رؤوف؟!

قطبت سلمى حائرة وأجابت وقد أسدلت ذراعيها بجانبها مشيرة اليه بسبابتها:

- عمي رؤوف؟, هو انت تبقى..

قاطعها بانحناءة ساخرة منه مومئا برأسه تجاهها وقال:

- شهاب ابن عمك يا....

أجابت بتلقائية:

- سلمى...

لمعت عيناه بغموض وهو يكرر:

- سلمى.., فرصة سعيدة يا سلمى....

أومأت سلمى برأسها وقد نسيت صلافته وغروره التي أزمعت بالرد عليها واستدارت تبغي الانصراف عندما ناداها فالتفتت اليه تنظر اليه بتساؤل عندما قال بابتسامة ساخرة:

- ابقي خلي بالك بعد كدا وانتي ماشية, ربنا ستر وكنت على رجليكي, لو كنتي في العربية المرة الجاية مش هيبقى حيطة من لحم ودم.. لأ... هتبقى حيطة سد!!!

لوت تعابير وجهها استهجانا منه وأجابت ببرود حاولت التمسك به:

- لا ما تخافش, بيتهيألي أنه أي حيطة هتبقى أهون من الحديد مسلح اللي أنا اتخبط فيه دلوقتي!!..

لم تمهله الرد عليها واستدارت مغادرة تحمل في يدها حقيبة حاسوبها الشخصي بينما تشعر بشعاع ناري يلهب مؤخرة عنقها, تكاد تقسم أنه صادر من ذلك الفحم المشتعل الذي سبق وأن رأته في عينيه!!...


Continue reading this ebook at Smashwords.
Download this book for your ebook reader.
(Pages 1-68 show above.)